محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
192
بدائع السلك في طبائع الملك
الركن الثاني إقامة الشريعة وذلك لان المقصود بالخلق ، ليس الدنيا فقط ، لأنها من حيث فنائها عبث وباطل . وهو تعالى يقول : « أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً « 106 » » وقال تعالى : « وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا « 107 » » بل الدين المفضي بهم إلى السعادة الأخروية . وقال تعالى . « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 108 » والشرائع هي الحاملة لهم عليه حتى في الملك الطبيعي لاجتماع الانسان ، فلا جرم أجرته على نهجه ، ليكون العقل محوطا بنظرها « 109 » . وأيضا فقد تقدم أن الملك الديني ، مندرج في الخلافة التي هي نيابة عن الشارع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به « 110 » . إذا تقرر هذا ، فهنا لتشييد هذا الركن العظيم ، ثلاثة أصول : الأصل الأول : فيما يحمل عن ذلك ، ويرغب فيه ، ويكفي من ذلك ترغيبان : الترغيب الأول : أنه دليل على استحقاق الرئاسة بحق ، فقد تقدم أن من علامة ملكها التنافس في خلال الخير ، ولا خير الا في اتباع الشريعة ، كما مر هناك ، من أمثلة ، وفي سياسة أرسطو : أي ملك أخدم ملكه دينه ، فهو مستحق في الرئاسة ، وأي ملك جعل دينه خادما لملكه ، فهو مستخف بناموسه ، ومن استخف بالناموس ، قتله الناموس « 111 » . وفي الافلاطونيات : « فضل الملوك على مقدار خدمتهم لشريعتهم ، ونقصهم ، على قدر اغفالهم لها .
--> ( 106 ) آية 115 ك سورة المؤمنون رقم 23 . ( 107 ) آية 27 ك سورة ص رقم 38 . ( 108 ) آية 56 ك سورة الزاريات رقم 51 . ( 109 ) ه : ليكون العقل محفوظا . وفي م ليكون الكل محفوظا . ( 110 ) استند على مقدمة ج 2 ص 734 - 735 . ( 111 ) سياسة أرسطو ص 77 .